مخاطر جولة بايدن في المنطقة

مخاطر جولة بايدن  في المنطقة
Spread the love
بايدن يطالب 80 مليون عامل بالتطعيم أو مواجهة إجراءات تأديبية

بقلم: حسن صعب |

ظهر الأربعاء (13/7/2022)حطّت طائرة الرئيس الأميركي جو بايدن في مطار بن غوريون، حيث سيبدأ بايدن جولته المثيرة للجدل، ويلتقي خلالها قادة الكيان الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية ، ليغادر بعدها مباشرة إلى جدّة في المملكة العربية السعودية، ويرعى لقاءات على مستوى رفيع مع قادة المملكة ومصر والعراق والأردن والإمارات، وربما بحضور إسرائيلي عالي المستوى، كما تروّج وسائل الإعلام الإسرائيلية. وقبل أسابيع من مجيئ الرئيس الأميركي إلى المنطقة ، كانت وسائل الإعلام الغربية والإسرائيلية والخليجية قد بدأت بضخ عشرات التقارير والتحليلات حول أهمية هذه الجولة “التاريخية” وأبعادها الاستراتيجية، التي تصبّ في مسار مواجهة تنامي النفوذين الروسي والإيراني في المنطقة من ناحية ، ولمواجهة تداعيات احتدام الصراع الروسي – الأوكراني السلبية فيما يخص الطاقة والغذاء في أوروبا والولايات المتحدة من ناحية أُخرى؛ كذلك، يسعى بايدن لتفعيل علاقات إدارته السياسية والأمنية بالكيان الإسرائيلي وبالدول العربية (وفي طليعتها السعودية) التي تدور في الفلك الأميركي منذ عقود، وضمناً في الفلك الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة! “الناتو” الشرق أوسطي : حلف عربي- إسرائيلي ضد إيران هذه الأهداف السياسية المعلنة تكفّلت مراكز أبحاث أو صحف ومواقع إلكترونية غربية (شبه رسمية) بتفصيلها و”تجميلها”، لكن من دون كشف خلفياتها كاملة، أو استشراف تداعياتها المتوقعة على أمن ومصالح شعوب المنطقة، كما هي عادة الإدارات الأميركية المتعاقبة في التعامل المزدوج والماكر مع قضايا المنطقة منذ خمسينيات القرن الماضي. بالمقابل ، صدرت مواقف وقراءات معاكسة ، كشفت أبعاداً مخفيّة وخطيرة لجولة بايدن الوشيكة. فبحسب كاتب ومحلّل روسي، تعتزم إدارة بايدن تسريع عملية المصالحة بين الدول العربية و”إسرائيل”، من خلال زيادة عدد الموقّعين على ما يسمّى الاتفاقيات الإبراهيمية. كما أنها تخطّط لإزالة الشوائب في علاقتها مع المملكة العربية السعودية وحاكمها الفعلي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. كما يهدف بايدن إلى تنفيذ مشروع طموح، هو إنشاء تحالف عسكري وسياسي برعاية الولايات المتحدة. وفي الواقع، سيكون “الناتو الشرق الأوسطي” هذا معادياً لإيران. والأهمّ من ذلك، سيكون معادياً لروسيا. وقد أظهرت الأحداث المرافقة للنزاع بين روسيا وأوكرانيا أنّه لا يمكن تجاهل دور العالم العربي فيها، إذ يكفي أن نقول إن الأمر متروك للدول العربية في نهاية المطاف، فيما إذا كان بإمكان الغرب تعويض الحظر المفروض على موارد الطاقة الروسية أم لا، وما إذا كان بإمكان روسيا زيادة إمداداتها النفطية إلى الصين والهند، اللتين تعتمد أسواق الطاقة فيهما على الخليج بنسبة كبيرة (1). ومن بين الاجتماعات التي عُقِدت عشيّة جولة بايدن الشرق أوسطية، كانت المحادثات الأخيرة في شرم الشيخ، والتي تابعتها “وول ستريت جورنال”. وبحسب النصّ المنشور، اجتمع ممثّلو قيادات القوات المسلحة الإسرائيلية والمصرية والأردنية والسعودية والقطرية في شرم الشيخ، لمناقشة استراتيجية مكافحة التهديدات المشتركة للأمن القومي في هذه الدول. وأكّدت الصحيفة أنَّ المحادثات جرت بفضل جهود الولايات المتحدة وبرعايتها. إننا نلحظ صلة بين هذا الحدث والتصريح المثير لوزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس بشأن التحضير لإنشاء تحالف الدفاع الجويّ في الشرق الأوسط (MEAD)، وهو تحالف ترعاه واشنطن. ولا تُنكر سلطات الدول العربية أنَّ هذا المشروع قيد المناقشة، لكنَّها تفضّل الحديث عن “الناتو الشرق الأوسطي” كمسألة مستقبلية، ربما ليس في القريب العاجل. وقد صرّح وزير الخارجية المصري سامح شكري، خلال زيارته البحرين في الأول من تموز/يوليو، أن “إنشاء تحالف أو تنظيم عسكري جديد يتطلَّب مشاورات مكثّفة؛ وهذه المسألة ليست قيد البحث في الوقت الراهن”(2). يُذكر أن الناتو العربي هو مصطلح إعلامي أُطلِق على مشروع “تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي” (MESA) ‏الذي طُرح في عهد الرئيس باراك أوباما، ثم أُعيد طرحه في عهد الرئيس دونالد ترامب. ‏وهو مشروع أميركي يضم دول الخليج العربي الست، إضافة إلى الأردن ومصر. فهو فكرة أميركية هدفها حماية المصالح الأميركية في المنطقة بالاعتماد على هذه الدول، ثم سُمّي “الناتو السنّي”، الذي بدا جليّاً أن هدفه المعلن سيكون العداء لإيران و”الحدّ من نفوذها في المنطقة العربية”، إضافة إلى مكافحة الإرهاب (3). ومن الاسم، يبدو جلياً أن “إسرائيل” ستكون حاضرة ومشاركة في هذا التحالف. وإن لم تكن هي القائد لهذا التحالف حين تبلوره، فمن دون شك ستكون هي الموجّه لقراراته. وفكرة “الناتو الشرق أوسطي” تعيدنا إلى مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرحه شيمون بيريز في العام 1992، والذي طرح فيه معادلته الشهيرة: النفط العربي + اليد العاملة العربية = الخبرة الإسرائيلية، ادّعاءً منه بما يتمتع به الصهاينة من خبرة وتفوّق على العنصر العربي. وطرح حينذاك فكرة تأسيس “جامعة الشرق الأوسط” كبديل من الجامعة العربية، حيث ستكون “إسرائيل” عضوة فيها، وحيث ستبدو عضوة غريبة (غير عربية)، فيما لو بقي اسمها الجامعة العربية (4). واليوم، فإن فكرة تغيير اسم الحلف من “الناتو العربي” إلى “الناتو الشرق أوسطي” ليس لها سوى معنى واحد، وهو وجود “إسرائيل” ضمن هذا الحلف على الأقل، أو ربما هي من سيتولّى قيادته الفعلية، حتى لو كانت القيادة الشكلية موكلة إلى إحدى الدول العربية الداخلة فيه. وبالتالي، لم يعد الحلف موجّهاً ضد إيران فقط، كما كان في “الناتو العربي” أو الناتو السنّي، بل أصبح موجّهاً ضدّ أيّ دولة عربية يمكن أن تعادي “إسرائيل” أو تتحالف مع إيران. ثم كيف يمكن الحديث عن أن هدف الحلف هو تحقيق السلام والاستقرار، وهو يضم الكيان الصهيوني الذي هدّد الأمن والاستقرار في المنطقة طوال العقود الماضية (5). تقاطع مصالح وأهداف مشتركة إذاً ، تتقاطع الأهداف الأميركية والإسرائيلية والعربية من إنشاء ما سمّي الناتو الشرق أوسطي لجهة استهداف إيران والدول والقوى المتحالفة معها؛ فما يسمّى محور المقاومة بات يشكّل تهديداً خطيراً وربما وجودياً في نظر الإدارة الأميركية والكيان الإسرائيلي والدول العربية “المعتدلة” ، بعد سلسلة من الإنجازات العسكرية والسياسية المهمة التي حقّقها محور المقاومة خلال السنوات الماضية، من إيران واليمن إلى لبنان وفلسطين؛ ناهيك عن تنامي الدور الروسي (والدور الصيني) المنافس للدور الأميركي على مستوى العالم والمنطقة ، وبالخصوص بعد اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية قبل أشهر، والتي أربكت الحسابات الأميركية والأوروبية والإسرائيلية، وكذلك حسابات بعض الأنظمة العربية المرتبطة بعجلة الاستراتيجية الغربية، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ، منذ عقود. وبكلام أكثر تحديدًا ، فإن جو بايدن يسعى للاستثمار في جولته الشرق أوسطية في عدة جوانب تخدم استراتيجية بلاده ضد إيران (سواء نجح في إعادة إحياء الاتفاق النووي معها كما يرغب أم لا)، وانتزاع تنازل سعودي متوسط المدى حول زيادة الإنتاج النفطي السعودي لخفض أسعار الطاقة العالمية، مع تشجيع قطر على تعويض النقص في إمدادات الغاز الروسي لأوروبا، بالتعاون مع إسرائيل، مقابل تخلّي بايدن عن مقاطعته لوليّ العهد السعودي محمد بن سلمان ، ورعاية مباشرة لأي تحالف دفاعي أو جويّ قد ينشأ بين إسرائيل والسعودية ودول الخليج ومصر والأردن في مواجهة إيران وحلفائها (6) . أما “إسرائيل” نفسها، فتطمح لاستغلال زيارة الرئيس الأميركي إلى أقصى حد، لجهة تجاوز العراقيل المعيقة لإنشاء حلف الناتو الشرق أوسطي، ودفع محمد بن سلمان لإطلاق مسار تطبيع كامل مع “إسرائيل”؛ فضلاً عن تفعيل الضغط الأميركي على السلطة الفلسطينية المربكة (بسبب الوضع الصحي المتدهور لرئيسها) لاستئناف التفاوض مع “إسرائيل” من دون شروط أو التزامات مسبقة؛ وصولاً إلى استجلاب المزيد من المساعدات الأميركية لإسرائيل التي تواجه أزمات اقتصادية واجتماعية حادّة منذ سنوات، بموازاة الأزمة السياسية بين مكوّناتها المختلفة والمتصارعة ، في بنيانها السياسي والاجتماعي على حدٍ سواء. أما بالنسبة للأنظمة العربية ، فإن النظام السعودي تحديدًا، سوف يحاول الاستفادة القصوى من زيارة بايدن لتأمين مشروعية لوليّ العهد المنبوذ أميركياً (على خلفية اغتيال الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي في تركيا قبل سنوات)، مع تفعيل المواجهة الإقليمية لإيران (بدعم أميركي مباشر)، مقابل زيادة الإنتاج النفطي السعودي لإرضاء الأميركيين والأوروبيين، وإطلاق عملية التطبيع السعودي مع إسرائيل، ولكن من خلال مسار متدرّج ، يركّز أوّلاً على الأبعاد الأمنية والعسكرية، وفي مواجهة إيران ومحور المقاومة حصراً. كما يريد بن سلمان التأكد من الضمانات الأميركية له فيما يخص استعادة مكانته لدى إدارة بايدن، تمهيداً لانتقال سلس للسلطة في بلده في أي وقت؛ وكذلك الأمر بالنسبة لاحتمال عودة بايدن للاتفاق النووي مع إيران ، والتي تمثّل كابوساً لوليّ العهد السعودي (كما للكيان الإسرائيلي)، يتمنّى أن لا يصبح واقعاً في عهد بايدن ، بانتظار عودة “صديقه المخلص”، والرافض بالمطلق للاتفاق، دونالد ترامب، إلى سدّة الرئاسة في الولايات المتحدة بعد عامين، كما يتوقع بن سلمان. وفي السياق ، سيحاول بن سلمان إقناع بايدن بأن الدعوات الأميركية لوقف الحرب السعودية على اليمن تصبّ في مصلحة محور المقاومة، وأن من مصلحة” الحلف الشرق أوسطي” المزمع إنشاؤه دعم السعودية في حربها ضد حلفاء إيران، وخاصة في اليمن، وليس الدعوة إلى حل سياسي في هذه المرحلة بالذات. خاتمة في قراءة مجملة لاعتبارات الدول والقوى المؤثّرة في المنطقة ، وللتجارب التاريخية، كما للظروف السياسية والواقعية، يمكن التقدير بأن زيارة بايدن المرتقبة لن تثمر تلقائياً حلفاً دفاعياً استراتيجياً ضد إيران، أو إطلاقاً ناجحاً لعملية تفاوضية جديدة بين الكيان الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية المتهالكة؛ ولا حتى وقفاً فورياً للحرب السعودية على اليمن، كما توحي عدة تقارير غربية . تجدر الإشارة في هذا السياق إلى رفض البرلمان العراقي أخيراً لأي تطبيع مع الكيان الإسرائيلي ، فضلاً عن تحفّظ مصر على تحديد أهداف الحلف الدفاعي العربي- الإسرائيلي بمواجهة إيران؛ وكذلك كان موقف الإمارات العربية التي تتهيّب أساساً مواجهة إيران ؛ ناهيك عن رفض العراق والجزائر ودول عربية أخرى لفكرة هذا التحالف العدواني. إن الهدف الأوّل من جولة بايدن في المنطقة هو ترميم الصورة الأميركية المهتزّة بسبب الإخفاقات المتتالية للإدارة الأميركية في أفغانستان وأوكرانيا وفي مواجهة النفوذ الإيراني الإقليمي المتصاعد؛ وثانياً ، دفع السعودية لضخ البترول بكميات مضاعفة إلى عجلة الاقتصاد الغربي المأزوم ، مع التقدم بسرعة لملاقاة الرغبة الإسرائيلية بالتطبيع ؛ بالإضافة للابتزاز الأميركي المعهود للمال السعودي الوفير عبر عقد المزيد من صفقات السلاح (لمواجهة “البعبع” الإيراني)، مقابل تقديم بعض الضمانات الأميركية لأمن السعودية، السياسية والأمنية ، (والتي ستقابلها ضمانات ومساعدات أميركية مضاعفة لإسرائيل)، في ظل توجّه أميركي استراتيجي لتقليص الوجود العسكري في غرب آسيا عموماً، تمهيداً للتفرّغ لمواجهة النفوذين الصيني والروسي في شرق آسيا وأوروبا ، وبالخصوص بعد بروز مؤشرات ذات صدقية على نجاح روسيا (ولو نسبياً) في التعامل مع أعباء وتداعيات الحرب في أوكرانيا، كما مع العقوبات الغربية الشاملة والقاسية التي فُرضت عليها خلال الأشهر الماضية. وحول الرؤية التي تقول بأن إحداث تغييرات جيوسياسية في المنطقة تكون “إسرائيل” في محورها، وبرعاية كاملة من الولايات المتحدة، ضمن ما يسمّى “شرق أوسط مستقر وآمن”، ستقوّي الموقف الأميركي الاستراتيجي بمواجهة الصين وروسيا في شرق آسيا وأوروبا ، هي رؤية متحمّسة ومبالغ فيها، لأن لا ارتباط مباشراً بين أسس وديناميكيات التحوّلات والأحداث في كلتا الساحتين، في ظل صمود روسي مفاجئ بوجه العقوبات الغربية ، سياسياً واقتصادياً ومالياً، وتأييد صيني شبه مطلق للأداء الروسي، مع تحفّز صيني للتصدي لأي تحرّك أميركي جديّ باتجاه دعم انفصال تايوان، والذي سيُعد بمثابة إعلان حرب ضد الصين، لن تتحمّل إدارة بايدن المأزومة داخلياً (سياسياً وشعبياً) عواقبه بالتأكيد. وفي النتيجة ، فإن قرار إفشال أو إسقاط أهداف جولة بايدن الخطيرة في المنطقة يبقى بيد الدول والشعوب التي ترفض السياسات الأميركية المتغطرسة ، والمنحازة بالكامل للكيان الإسرائيلي والأنظمة العربية المتواطئة مع الإدارة الأميركية ، والتي تثبت في كل مرّة أنها تسعى وراء مصالحها السياسية والأمنية والاقتصادية والتجارية حصراً، ولا تكترث للمبادئ أو القِيم التي تعلن دوماً عن التزامها بها عبر وسائل الإعلام فحسب!

الهوامش

(1) غينادي بيتروف، الأميركيون يخطّطون لانتزاع الشرق الأوسط من روسيا ، موقع الميادين، 5/7/2022 (نقله إلى العربية عماد الدين رائف). (2) المرجع السابق. (3) شاهر الشاهر، من “الناتو العربي”… إلى “الناتو الشرق أوسطي”… الرسائل والدلالات، موقع الميادين ، 4 تموز 2022. (4) المرجع السابق. (5) المرجع السابق. (6) يُراجع هذا المقال: إعلام عبري يتحدث عن صفقة أمنية ضخمة بين إسرائيل والسعودية خلال زيارة بايدن المرتقبة، موقع المراقب، 3يوليو 2022.

شجون عربية

شجون عربية