دلالات الموقفين الصيني والإيراني من الحرب الروسية الأوكرانية

دلالات الموقفين الصيني والإيراني من الحرب الروسية الأوكرانية
Spread the love

بقلم : حسن صعب أيار / مايو 2022

توطئة

لا شك في أنه كانت للمواقف الصينية والإيرانية من الحرب الروسية -الأوكرانية التي اندلعت في 24شباط / فبراير الماضي، تأثيرات مهمة على مستوى تخفيف أو تقليل انعكاسات العقوبات الأميركية والأوروبية، السريعة والقاسية، التي تمّ فرضها على روسيا خلال الأسابيع الأخيرة، أوتلك التي سيتم فرضها لاحقاً. فالصين تماثل أو قد تفوق روسيا في عدة جوانب، مثل كونها قوّة عظمى على المستويين الاقتصادي والعسكري، كما على المستوى السياسي والدبلوماسي، بسبب امتلاك الصين لحق النقض أوالفيتو في مجلس الأمن الدولي، وارتباطها بعلاقات وثيقة (اقتصادية وتجارية ومالية بالدرجة الأولى) ، وحتى استراتيجية مع العديد من دول العالم المتطورة أو النامية، وفي طليعتها روسيا نفسها، كما مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والدول الآسيوية والأفريقية ، وبما قد يفوق أحياناً ما هي عليه علاقات روسيا الاتحادية بتلك الدول على وجه الخصوص. أما إيران، فهي بالرغم من عدم امتلاكها لقدرات نووية عسكرية، كحال الصين وروسيا، ولا اقتصاداً ضخماً وتوسعياً كحال الاقتصاد الصيني، فإنها بالمقابل تمتلك أدوات تأثير اقتصادية وسياسية ودبلوماسية لا يُستهان بها، في إطار مواجهة السياسات أو العقوبات التي تفرضها الدول الغربية على روسيا في المرحلة الراهنة ، أو ربما على دول أخرى في المستقبل، في إطار الصراع الجيواستراتيجي بين القوى العظمى والصاعدة على مستوى العالم. في هذا البحث سنتطرّق لدلالات وتأثيرات الموقفين الصيني والإيراني من الحرب الروسية- الأوكرانية إجمالاً، وتحديداً تجاه العقوبات الدولية التي تمّ فرضها على روسيا أخيراً بذريعة “غزوها غير المشروع لأوكرانيا وارتكابها جرائم حرب فيها”!

أوّلاً : أبعاد الموقف الصيني من روسيا: اقتصادياً وسياسياً

على المستوى الاقتصادي والتجاري

بداية، تجدر الإشارة إلى ارتباط كلٍ من الصين وإيران باتفاقيات ثنائية ذات طابع استراتيجي وطويل الأمد مع روسيا، ولن تكون آخرها الاتفاقية “الضخمة” حول النفط ، والتي وقّعها الرئيسان الصيني والروسي قبل أسابيع في بكين، خلال زيارة بوتين لها للمشاركة في افتتاح دورة الألعاب الشتوية 2022. فبعد أن التقى شي جين بينغ مع بوتين في بكين، في بداية فبراير/ شباط الماضي، أعلن قادة البلدين أن “الصداقة بينهما لا حدود لها، وليست هناك منطقة محظورة للتعاون”.. وشهد إبرام اتفاق التجارة بين موسكو وبكين، توقيع عقد مدّته 30 عاماً لتزويد الصين بالغاز الطبيعي عبر خط أنابيب جديد ضمن شراكة طاقة متنامية.. وقال شو تشين دو -الباحث بمعهد “بانغو” (pangu) في بكين- إن الصين ستواصل التعامل مع روسيا كالمعتاد، من منطلق التمسك بموقفها طويل الأمد ضدّ العقوبات أحاديّة الجانب. وأضاف شو: “من غير المرجّح أن تغيّر واشنطن مسارها ضدّ الصين في المنافسة الاستراتيجية. لذلك، فإنني أميل إلى رؤية الصين تواصل التعامل مع روسيا، ليس لتخفيف العقوبات على موسكو، ولكن من مبدأ رفض العقوبات أحاديّة الجانب”. ويرى محلّلون أن تكلفة دعم بكين لموسكو قد ترتفع بشكل حاد إذا تم اتخاذ تدابير أقوى في المستقبل، إذ إن فرض عقوبات شاملة على روسيا واستمرار دعم الصين لها سيضع بكين في مرمى العقوبات الثانوية من الغرب (1). ووفق تقارير إعلامية، تنأى المؤسسات المالية الصينية المملوكة للدولة بنفسها عن الاقتصاد الروسي المحاصَر، إذ أوقف بعضها تمويل الصفقات المتعلقة بالنفط والشركات الروسية، في حين قيّد الآخر تمويل مشتريات السلع الروسية. وتوقّعت أليسيا غارسيا هيريرو -الباحثة في “ناتيكسيس” (Natixis) للخدمات المصرفية في هونغ كونغ- أن تمتثل بكين للعقوبات الأميركية ، مع الاستمرار في دعم الاقتصاد الروسي من خلال النظام المالي الصيني. ويرى محلّلون أن بكين قد تجد صعوبة في الحفاظ على توازنها إذا اشتدّت العقوبات الغربية على روسيا، وتجنّبت العقوبات الحالية صناعة الطاقة، المربحة لموسكو إلى حدٍ كبير، بسبب مخاوف من أضرار جانبية للدول الغربية، حيث توفّر روسيا، ثالث أكبر منتج للنفط في العالم وثاني أكبر منتج للغاز الطبيعي، نحو 40% من إمدادات أوروبا من الغاز الطبيعي(2). وقال تشينغ يون تسانغ -الخبير في التنظيم المالي بجامعة تشنغتشي الوطنية في تايوان- إن “الصين ستكون حذرة بشأن أي إجراء قد يهدّد وصولها إلى النظام المالي الدولي، حيث تمتلك أكبر احتياطيات تبادل العملات الأجنبية على مستوى العالم، ومن بينها يهيمن الدولار الأميركي”. في حين يرى جاري نغ -الخبير الاقتصادي في “ناتيكسيس”- أن نظام العقوبات الحالي يمنح الصين مساحة كبيرة لمواصلة التجارة المشروعة مع روسيا. وأضاف أن الدعم الصيني سيجعل الضغط على روسيا أقل، خاصة فيما يتعلق بالروابط المالية” (3). يُشار هنا إلى أنه ومنذ “احتلال” روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانية وضمّها عام 2014، وما تلا ذلك من عقوبات على موسكو، تعزّزت العلاقات بين موسكو وبكين بشكل كبير. ويملك العملاق الآسيوي أكبر احتياطات من العملات الأجنبية بالدولار واليورو في العالم، مدعوماً بمركزه الأساسي في التجارة العالمية. وقالت الخبيرة الاقتصادية باولا سوباتشي من جامعة لندن، إن الصين لديها «الوسائل المالية لمساعدة روسيا»، وهي الدولة الوحيدة التي يمكنها القيام بذلك. وأضافت : «حين هبطت قيمة الروبل بسبب العقوبات» المفروضة على خلفية ضمّ القرم، وافقت الصين على أن يتم تسديد المدفوعات المستحقة لها بعملتها اليوان للتعويض عن زيادة قيمة الواردات بالدولار..(4). وتملك بكين نظامها الخاص للحوالات بين المصارف عبر الحدود، وهو نظام يعتمد اليوان حصراً. وأوضح جوسو كاريسفيرتا، خبير المبادلات الروسية – الصينية في البنك المركزي الفنلندي: «يمكن من حيث المبدأ أن يحلّ نظام الحوالات بين المصارف عبر الحدود جزئياً محل (سويفت)». لكنه رأى أن المصارف الصينية «لن تُجازف» بذلك، خشية التعرض لعقوبات أميركية تمنعها من الوصول إلى الدولار. وبالتالي، فإن عدداً من المصارف العامة الصينية تمتنع، حسب وكالة «بلومبرغ»، عن تمويل مشتريات من المواد الأوليّة في روسيا. وتشكّل المحروقات القسم الأكبر من الصادرات الروسية، في وقتٍ تزيد الصين باطّراد خلال السنوات الأخيرة الكميّات التي تستوردها ضمن سياسة تنويع إمداداتها.. إلاّ أن خبير الصين في معهد «تشاتام هاوس» جي يو، رأى أن العملاق الآسيوي قد يزِن هذه المرّة «بحذر كبير» دعمه لروسيا، لا سيما أن أوكرانيا هي أيضاً من مورّدي القمح الرئيسيين لبكين..(5). واتهمت أستراليا، الصين، غداة غزو أوكرانيا، بأنها «طوق نجاة» لموسكو، رداً على رفعها القيود التي كانت تفرضها على وارداتها من القمح الروسي. والاتفاق الذي عُرف منذ مطلع فبراير(شباط) ، غير أنه أُعلِن يوم الغزو الروسي لأوكرانيا، يسمح بتصدير القمح من كلّ المناطق الروسية، بعدما كانت الصين تحصر هذه المناطق بسبع. وقال المحلّل تشين لونغ، من مكتب «بلينوم»، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «الأعمال ستُستأنف بصورة طبيعية»، متوقّعاً ألاّ تمضي بكين أبعد من سواها لمساعدة موسكو. وقال بهذا الصدد، إن «ألمانيا لا تزال تشتري الغاز من روسيا»، لكن «هل يعني أن هذا طوق نجاة لروسيا؟» (6).

على المستوى السياسي والاستراتيجي

تُعدّ الصين القوّة العظمى الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية، اقتصادياً وعسكرياً ؛ وربما ستغدو القوّة الأولى بعد سنوات. وهي تعمل على هذا الهدف بتأنٍ وصبر، كما تكشف بعض التقديرات الاستخبارية والمواقف السياسية الغربية. وتدخل خطة ” الحزام وطريق الحرير” الصينية، بأبعادها الاقتصادية والسياسية والأمنية ، كما توثيق العلاقات الاستراتيجية مع روسيا والهند وباكستان وإيران ومعظم دول العالم، المجاورة للصين أو البعيدة جداً عنها، ضمن الرؤية الصينية المستقبلية التي تُقلق الغرب عموماً ، والولايات المتحدة الأميركية على وجه الخصوص. وفي السياق ، أكّد وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، أخيراً، أنّ علاقات بلاده مع روسيا هي الأكثر أهمية، مُشبّهاً صلابتها بـ”الصخر”. وأضاف :”الصين وروسيا هما عضوان دائمان في مجلس الأمن الدولي، ولدينا شراكة استراتيجية؛ وعلاقتنا هي الأكثر أهمية على صعيد العلاقات الثنائية”. وتابع: “تعاوننا يقدّم مصلحة الدولتين ويساهم في إرساء الاستقرار والتنمية في العالم. وفي العام الماضي احتفلنا بمرور 20 عاماً على إبرام معاهدة الصداقة بين البلدين”. واعتبر أن العلاقة بين الدولتين “مهمة لأنها مستقلة وتقوم على أساس عدم استهداف الآخر؛ وهذا ما تبيّن عبر الخبرة التاريخية”(7). وأعرب عن رفض بلاده لـ”عقلية الحرب الباردة”، وقال إن: “العالم ليس بعيداً عن المخاطر؛ فهناك أزمة تتجلّى أمامنا. بعض الدول في الناتو، مثل ألمانيا،عادت إلى التفكير بالحرب الباردة، مضيفاً أن هذا يضيف “إلى الأزمات التي نشهدها”. وتابع: “علينا أن نعتمد على الانفتاح، لا سيما بما يتعلق بالاقتصاد، الذي تعترضه المشاكل الجيوسياسية؛ ولن نستفيد من عزل أي أحد”(8). في السياق الجيوسياسي أيضاً، يرى الباحث الصيني هو تشون تشون، أنّ الصراع الروسي- الأوكراني يُعتبر أوّلاً، وقبل كلّ شيء، مشكلة أوروبية. لذا “المشاكل الأوروبية تحتاج حلولاً أوروبية”. ويتابع : في الآونة الأخيرة، ظهرت أصوات أوروبية باستمرار تدعو إلى “وجوب قيام الصين بالوساطة، وهي الوحيدة التي يمكنها التوسط في الصراع بين روسيا وأوكرانيا”. ولكن إذا كانت أوروبا حقاً في حاجة لوساطة دول خارج منطقتها مثل الصين، فهل ستقبل أوروبا القِيم الصينية الخاصة بأولوية السلام والوئام؟ هل تتوقع أوروبا تسوية سلام في حال قيام الصين بالوساطة، أم أنها تأمل أن الصين تقف إلى جانبها لمواصلة لعبة محصّلتها صفر على النمط الأوروبي؟ (9). ويضيف الباحث الصيني: منذ العصر الحديث كان دائماً مركز الثقل لروسيا هو الجزء الأوروبي منها؛ وحتى بعد نهاية الحرب الباردة، ساهمت في إنشاء “منظمة الأمن والتعاون في أوروبا” للمشاركة في تأسيس نظام أمني جديد لأوروبا. ومع ذلك، لم يستجب حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي لطلب روسيا، بل واصلوا بغطرسة “نهاية التاريخ” الدفع بأجندتهم الخاصة، وهي توسّع الناتو باتجاه الشرق ؛ كما أن الاتحاد الأوروبي يتوسّع أيضاً. في السنوات الأخيرة، ابتعدت روسيا عن أوروبا أكثر فأكثر، وحلّ فكرالمعارضة محل محاولات التقرّب في السابق، بل وتصاعد إلى مواجهة. إن الصراع الروسي – الأوكراني في الأساس هو فوهة بركان الصراع بين روسيا وبين أوروبا أو الغرب. إن الإطار الأمني في أوروبا المستقبلي يجب أن يكون إطارًا يتضمن دولاً أوروبية وروسيا، وليس إطاراً تقوم فيه الدول الأوروبية بإقصاء روسيا والتعارض معها. فالنظام الأمني الأوروبي إن لم يشمل روسيا يعني توقّف التاريخ بل وتقهقره (10). من ناحية الصين تحديدًا ، يرى خبراء عرب أن الصين تحرص على استثمار الفرص التي تنطوي عليها الأزمة الروسية- الأوكرانية، إلى جانب احتواء التحديات التي قد تشكّلها عليها، لضمان الحفاظ على نتائج تُفضي بتسجيل نقاط لصالح تعزيز تموضعها في النظام العالمي الجديد. يقول مدير مركز الحوار الروسي- العربي في سانت بطرسبرغ، الدكتور مسلم شعيتو، إن الموقف السياسي للصين واضح، منوّهاً بأن روسيا والصين تعتبر أن المعركة مع الولايات المتحدة الأمريكية مشتركة؛ لذا، فإن سقوط أحدهما يعني سقوط الآخر، لافتاً إلى أن الموقف الصيني الخاص بما يحدث في أوكرانيا ينطلق من اللقاء الأخير الذي عقِد بين الدولتين قبل بداية الألعاب الأولمبية، عندما وصف الرئيس الصيني، شي جين بينج، العلاقات مع روسيا بـ«فوق الاستراتيجية»، منوّهاً بأن العلاقات بين البلدين انتقلت إلى مرحلة متطورة اقتصادياً، إذ تخطّى حجم التبادل التجاري بينهما 140 مليار دولار، في وقتٍ تطمح الدولتان في دفع هذا التبادل حتى يصل إلى 250 مليار دولار سنوياً.. وتابع شعيتو : «يجب ألاّ ننسى أن العلاقات الثنائية بين كلٍ من (الصين وإيران)، (روسيا وإيران)، (الصين وباكستان)، (الهند وروسيا)، بغضّ النظر عن التناقضات الداخلية أو بعض الصراعات فيما بين البعض منهم، إلاّ أن لديهم هدفاً مشتركاً واحداً يجمعهم، يتمثل في رفض التوجهات السياسية الأمريكية في علاقاتها بالدول»، وتحديداً الصين التي ترغب في أن تصبح لاعباً مهماً داخل كافة دول العالم، وبالتحديد آسيا، إذ إنها تطمح في نقل بضائعها عبر طريق الحرير من آسيا إلى أوروبا، مؤكداً أن روسيا بدورها أبدت استعداداً في مساعدة الصين إذا ما افتعلت الولايات المتحدة الأمريكية أزمات حول هذا الطريق، إذ أكدت على لسان وزير الدفاع عن طريق بديل عبر المحيط الشمالي، الذي تؤمّنه روسيا باستمرار، بغضّ النظر عن الجليد، لافتاً إلى أن روسيا شيّدت أسطولاً هاماً يحتوي على «كاسحات جليد» تسبق القوافل التجارية، بما يضمن استمرار تدفق السلع بين الصين وأوروبا طوال العام (11). بدوره، يشير نائب رئيس المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، الدكتور أحمد القرني، إلى أن الصين تنظر إلى الأزمة الروسية- الأوكرانية الراهنة باعتبارها حلقة مهمة ضمن حلقات سابقة، في إطار عملية تراكمية في تحوّل النظام العالمي إلى متعدد الأقطاب، لافتاً إلى أن مواقفها من الأزمة تتحدّد وفق أهدافها ورؤيتها المستقبلية، خاصة فيما يخص نتائج الأزمة على بُنية النظام الدولي قيْد التشكيل، باعتباره هدفاً صينياً- روسياً مشتركاً تمّ التعبير عنه في مناسبات مختلفة.. وأكد القرني أن الصين تسعى إلى إفشال حلف الناتو في تحقيق انتصار عسكري ضد روسيا، باعتباره محفّزاً للعمل الجماعي مستقبلاً ضد الصين، بما يشكّل تحدياً جيوسياسياً، لافتاً إلى أن الصين تعمل منذ فترة بشكل غير مباشر على إضعاف فعالية العلاقات الأمنية والدفاعية الأمريكية- الأوروبية، أو تشكيل تكتّل سياسي قوي من قِبل أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية باتجاه روسيا، مشدّداً على استفادة الصين من فك ارتباط ضفّتَيْ الأطلسي، إذ إن مزيداً من التوافق بينهما يمكن أن يزيد من هيمنة الولايات المتحدة على أوروبا والتأثير في قراراتها(12)

. ثانياً : أبعاد الموقف الإيراني من روسيا: اقتصادياً وسياسياً

على المستوى الاقتصادي والتجاري

بات من المسلّم به أن إيران تسعى لتبوّء مكانة القوّة الكبرى أوالعظمى في وقت قريب، إلى جانب القوى الأخرى التقليدية ، على كافة المستويات ؛ ولو أن البعض ما زال يعدّ هذا الهدف الإيراني بعيد المنال، بل مستحيلاً ، خلال السنوات أو العقود القادمة. وفي أيّ حال، فإن مسألة تطوير القدرات الإيرانية ، العسكرية والنووية والعلمية والتكنولوجية والاقتصادية ، كما استراتيجية تطوير علاقات إيران مع دول العالم ، وفي طليعتها الصين وروسيا والهند وباكستان وتركيا وغيرها، تصبّ في المسار المستقبلي الناهض والمثابر للجمهورية الإسلامية، بغضّ النظر عن المرتبة التي ستصل إليها في المديين المنظور أو المتوسط. وفي السياق ، تكشف إثارة الإدارة الأميركية لمسألة طلب روسيا ضمانات خطيّة أميركية بعدم شمول العقوبات الدولية التي تمّ فرضها على روسيا أخيراً العلاقات التجارية والمالية والاقتصادية بين روسيا وإيران، قبل توقيع الاتفاق النووي (المتوقع) معها،عن أهمية هذه العلاقات بالنسبة للدولتين، وخاصة روسيا، التي بدأت تعاني من انعكاسات الإجراءات الأميركية والأوروبية ضدّها، اقتصادياً ومالياً ودبلوماسياً. ففي نهاية شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، أعلن رئيس لجنة الصداقة البرلمانية الايرانية – الروسية، إبراهيم رضائي، عن توصّل البلدين إلى مجموعة من الاتفاقيات المهمة في مختلف المجالات، منها الطاقة والتعاملات التجارية والنقل. وأوضح رضائي، الذي كان ضمن الوفد المرافق للرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو، أنه في مجال الطاقة، “اتفقنا على تطوير حقول النفط والغاز الإيرانية”، مضيفاً أنه في مجال التعاملات المالية والمصرفية “اتفقنا على كسر هيمنة الدولار من خلال حذفه من التعاملات التجارية بين البلدين”.. بدورها، أفادت وزارة الطرق الإيرانية باتفاق إيراني- روسي على النقل التجاري المباشر بين البلدين باستخدام مختلف وسائط وطرق النقل البحريّة والبريّة والجويّة (13). من جهة أخرى، وصف رئيس المجلس التجاري الروسي- الإيراني في غرفة التجارة والصناعات الروسية، فلاديمير أوبيدينوف، لوكالة “إرنا”، إيران بأنها تمثّل شريكاً تجارياً موثوقاً لروسيا، مؤكداً توفّر جميع الشروط اللازمة لزيادة التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين (14). أما على المستوى الاستراتيجي، فقد تحاول طهران نقل تجاربها في الالتفاف على العقوبات الغربية إلى موسكو، التي باتت تواجه عقوبات غربية مشدّدة هي الأخرى نتيجة لحربها على أوكرانيا. ومع اتساع رقعة الحظر الاقتصادي الأوروبي والأميركي على روسيا، قال المتحدث باسم الجمارك الإيرانية، روح الله لطيفي، “يمكن أن تستفيد روسيا من تجربة إيران في مواجهة العقوبات” في إشارة إلى تجربة الالتفاف على العقوبات، مضيفاً ينبغي أن تصبح إيران “ممراً لتلبية احتياجات روسيا”(15). إلى ذلك، قال المسؤول الإيراني إنه حدثت مؤخراً “عرقلة إعلامية دولية” على المنصّات الاجتماعية لاستخدام روسيا الممرّ الإيراني، ولم يوضح طبيعة هذه “العرقلة”؛ لكنه أضاف أنه “بالرغم من أن إيران تسعى للحفاظ على كرامة الإنسان في هذه الظروف (الحرب الأوكرانية)، إلاّ أننا نسعى لتحقيق المصالح الوطنية”، مُعلناً أن طهران تعتزم تفعيل “ممرّات العبور” مع روسيا. وتحدّث لطيفي عن زيادة “بنسبة 20 في المئة في صادرات إيران إلى روسيا خلال الأشهر الـ11 الماضية وزيادة بنسبة 52 في المئة في واردات إيران من روسيا”(16). في غضون ذلك، أفاد موقع “نورنيوز”، المقرّب من الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أن إيران وقّعت اتفاقية لاستيراد 20 مليون طن من السلع الأساسية، بما في ذلك الزيت والقمح والشعير والذرة من روسيا، خلال الزيارة الأخيرة لوزير الزراعة الإيراني إلى موسكو(17). على المستوى السياسي والاستراتيجي بموازاة التطور في العلاقات الاقتصادية والتجارية والعسكرية بين إيران وروسيا، خلال السنوات الأخيرة، حصل تقدّم كبير في مجال العلاقات السياسية والدبلوماسية بين الدولتين، على الرغم من وجود تباينات بشأن بعض القضايا في الملف السوري الشائك، والتدخل الأميركي والإسرائيلي السافر في سورية، ومسألة اليمن، إلّا أن التوافقات الإيرانية – الروسية تظل أقوى وأمتن من أيّ خلاف؛ وما حصل أخيراً في فيينا يؤكد هذه الحقيقة، حين رفضت إيران تحميل روسيا مسؤولية عرقلة المفاوضات النووية، كما أوحى الأميركيون، وأبدت تفهّمها للموقف الروسي بطلب ضمانات أميركية خطيّة لاستثناء روسيا من العقوبات الأميركية فيما يخص علاقاتها مع إيران بعد توقيع الاتفاق النووي الجديد معها. فقد أعلنت إيران أنها تنتظر الاطّلاع على “تفاصيل” طلب روسيا ضمانات من الولايات المتحدة قد تُعقّد المباحثات الهادفة لإحياء الاتفاق بشأن برنامج طهران النووي، لكنّها حمّلت غياب “القرار السياسي” الأميركي مسؤولية تأخّر إنجاز المفاوضات. وأتى كشف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن طلب موسكو ضمانات مكتوبة بعد العقوبات الغربية التي فُرضت عليها بسبب غزوها لأوكرانيا، مع بلوغ مراحل حاسمة في المباحثات لإحياء الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 الذي انسحبت منه واشنطن في 2018.. وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده : “سمعنا ورأينا تصريحات السيد لافروف عبر وسائل الإعلام (…) ننتظر التفاصيل عبر القناة الدبلوماسية”. وشدّد على ضرورة ألاّ “يكون التعاون المدني السلمي لإيران مع دول أخرى، بما فيها روسيا، خاضعاً لأيّ عقوبة، لا سيما في حال كانت هذه العقوبات مفروضة من قِبل طرف بعينه” وليس من قِبل الأمم المتحدة مباشرة (18). وأكد لافروف طلب بلاده “ضمانات مكتوبة” بأن العقوبات لن تؤثّر “على حقّنا في التعاون الحرّ والكامل، التجاري والاقتصادي والاستثماري والتقني العسكري، مع إيران”. لكن نظيره الأميركي أنتوني بلينكن نفى وجود “رابط” بين العقوبات ودور لروسيا في إطار احياء الاتفاق النووي، معتبراً أن المطالب “خارج السياق”! وقال في تصريحات صحافية “من مصلحة روسيا (…) أن تكون إيران غير قادرة على امتلاك سلاح نووي”، وأن ذلك يبقى “ساريًا بغضّ النظر عن علاقتنا بروسيا منذ غزوها لأوكرانيا”. وبُعيد تصريحات خطيب زاده، شدّد وزير الخارجية أمير عبد اللهيان على أن طهران لن تسمح لأي “عامل خارجي” بالتأثير على مصالحها في المباحثات (19). وقد أتت زيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي الأخيرة إلى روسيا كتتويج للتطور المستمر في العلاقات الإيرانية – الروسية، رغم الاستياء الأميركي والإسرائيلي من هذه العلاقة. “في ظلّ سياسة الولايات المتحدة والغرب، يجب أن تكون علاقاتنا أقوى. نحن نتصدّى مع روسيا للولايات المتحدة منذ 40 عاماً”. كانت هذه أولى كلمات الرئيس الإيراني عقب وصوله إلى موسكو، ولقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين. رئيسي أثنى خلال لقائه بوتين على هذا التعاون، إذ قال: “لدينا تجربةٌ جيّدةٌ في التعاون مع روسيا في سوريا لمكافحة الإرهاب، ويمكن أن تكون أساساً للعلاقات” (20). أيضاً ، وحول الموقف الإيراني من الحرب الروسية – الأوكرانية تحديدًا، أكد المرشد الإيراني، علي خامنئي، أن موقف بلاده ثابت من الغزو لأوكرانيا، مشيراً إلى أن طهران تؤيّد وقف الحرب؛ لكنه حمّل أمريكا مسؤولية ما يجري، معتبراً أنها “جذر” الأزمة في أوكرانيا. وقال خامنئي في كلمة له بمناسبة دينية: “نحن نعارض الحرب والدمار في كلّ مكان في العالم. هذا موقفنا الثابت”. وأردف خامئني قائلاً في تغريدة أخرى: “إن جذور الأزمة في أوكرانيا تدخّل أمريكا في الشؤون الداخلية لذلك البلد عبر صنع انقلاب ملوّن، وتحريك التجمّعات ضد الحكومات، وإزاحة هذه الحكومة ووضع تلك”، حسب تعبيره (21). قراءة تحليلية للموقفين الصيني والإيراني بحسب المواقف الأخيرة المعلنة من قِبل قادة الصين وإيران بشأن الحرب الروسية- الأوكرانية وتداعياتها السياسية والأمنية والاقتصادية على أوروبا والعالم، واستناداً إلى العلاقات الوثيقة والاستراتيجية أو ما فوق الاستراتيجية (بين الصين وروسيا)، والتي ترسّخها اتفاقيات مهمة ومتنوعة تمّ إبرامها خلال الأعوام الماضية ، يبدو جلياً أن الصين وإيران ستدعمان الموقف الروسي في مواجهة الغرب وحلف الأطلسي إلى النهاية، بغضّ النظر عن مسارات الحرب الجارية ومآلاتها، انطلاقاً من حسابات دقيقة، سياسية واستراتيجية، ترتبط بطبيعة المواجهة الدولية المحتدمة بين القوى العظمى والصاعدة حول هويّة النظام العالمي الجديد وآلياته ومساراته، في ظل مقاومة أميركا الشرسة لمحاولات تشكيل هذا نظام، سيكون متعدّد الأقطاب بالضرورة، وعلى حساب النظام الأحاديّ القطبية والأميركي الهويّة، والسائد بقوّة السلاح والهيمنة الاقتصادية والفكرية والنفسية منذ عقود مديدة. من هنا، يبدو منطقياً توقّع فشل مراهنات الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي على إبعاد الصين، وربما إيران لاحقاً، عن الفلك الروسي، في المدى المنظور أو المتوسط، وحتى البعيد ، سواء باستخدام سلاح المقاطعة (ذي الحدّين) التي يمكن أن تشمل الصين خصوصاً، إذا ما استمرّت في دعم روسيا، أو عبر سلاح الإغراءات الاقتصادية والمالية والتجارية ، والتي قد تتلقّاها إيران تحديداً في هذه المرحلة الفاصلة، قبل أو بعد حسم مسألة الاتفاق النووي الدولي معها، لأن الصراع في أوكرانيا وانخراط روسيا وأوروبا والولايات المتحدة الكامل فيه، يشي بأن الأطراف المعنيّة لا تخوض حرباً محدودة أوعابرة، بهدف تحرير مناطق معيّنة أو قرار سيادي لهذا البلد أو ذاك، فحسب. تحليل الموقف الصيني يقدّم المتتبّع للشأن الصيني، كواشيما شين، تقييمه الخاص للموقف الصيني من العقوبات الغربية على روسيا ، بناءً على أربعة اعتبارات رئيسية؛ أحدها هو الأهمية الاستراتيجية لروسيا بالنسبة للصين في سياق التنافس الأخير مع الولايات المتحدة وحلفائها الديمقراطيين. والثاني هو إحجام بكين عن الإضرار بالعلاقات التجارية المربحة مع الغرب بالانحياز صراحة إلى روسيا. والثالث هو تركيز الصين الاستراتيجي طويل الأمد على تنمية العلاقات الوثيقة مع الدول النامية في العالم، التي يُعتبر مبدأ السيادة الوطنية بالنسبة لها أمرًا مقدّسًا. والعامل الرابع هو المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني، المقرّر عقده في خريف عام 2022، حيث يحرص الرئيس الصيني ، شي جين بينغ، على التجديد لولاية ثالثة له بعدم ارتكاب “أخطاء” سياسية كبيرة (22). ويضيف شين : من العوامل المهمة طويلة المدى التي يجب مراعاتها عند تحليل موقف بكين من نزاع أوكرانيا أنها تنظر إلى روسيا كشريك استراتيجي حاسم في محاولتها لتحدّي هيمنة الولايات المتحدة وحلفائها – وهو صراع تتوقع الصين أن تستمر فيه. هدفها أن تصبح ”دولة اشتراكية حديثة عظيمة“ بحلول الذكرى المئوية لجمهورية الصين الشعبية في عام 2049. ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أن الصين وروسيا ليسا حليفين. منذ أوائل الثمانينيات، تبنّت بكين عدم الانحياز كأحد أعمدة سياستها الخارجية. علاوة على ذلك، فإن المصالح الوطنية للبلدين لا تتطابق دائمًا. من وجهة نظر بعيدة المدى، فإن روسيا، باعتبارها ثاني أكبر قوّة عسكرية في العالم، هي أيضًا منافس يجب على الصين أن تتفوّق عليه للوصول إلى أهدافها المئوية. على الرغم من الشراكة، فإن شي جين بينغ يخشى أن يتم الجمع بينه وبين بوتين باعتباره ”ديكتاتورًا قاتلًا“. كما أنه لا يرغب في أن يُنظر إليه على أنه متواطئ في العدوان الروسي، الذي ينتهك بوضوح ”مبادئ الصين الخمسة للتعايش السلمي“. بالإضافة إلى تعريض الصين لاحتمال فرض عقوبات مدمّرة من الغرب، فإن الدعم العلني للغزو يمكن أن يقوّض استراتيجية الصين العالمية طويلة الأجل، والتي تعتمد على الفوز التدريجي بأغلبية دول العالم النامية وتصوير الغرب الذي تقوده أمريكا على أنه نخبة عفا عليها الزمن. يُعتبر عدم التدخل واحترام السيادة الوطنية مبدأين مقدّسين لدى معظم البلدان النامية. إن أي بيان أو إجراء من جانب بكين يتغاضى عن التدخل العسكري الروسي من شأنه أن يثير انتقادات وشكوكًا من الدول التي تعمل جاهدة لمحاكمتها. هذا هو السبب في أن الصين، في الوقت الذي ترفض فيه إدانة روسيا صراحة، شدّدت على أنه ”يجب احترام سيادة أي دولة واستقلالها وسلامة أراضيها وصونها“..(23) ويتابع المحلّل الصيني: ينبغي أيضًا ذكر علاقة الصين بأوكرانيا في هذا السياق. بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية في عام 1992، أصدر البَلَدان عددًا من البيانات المشتركة التي أرست الأساس لشراكة استراتيجية خاصة بهما. في عام 2013، وقّع قادتهما معاهدة الصداقة والتعاون بين الصين وأوكرانيا، والتي تتضمن بيانًا عن دعم الصين للجهود التي تبذلها الحكومة في كييف ”لحماية وحدة وسلامة أراضي أوكرانيا“. في إعلان مشترك صدر في نفس الوقت تقريبًا، تعهدت الصين – التي كرّرت بيان 1994 – ”دون قيد أو شرط بعدم استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية ضد أوكرانيا كدولة غير حائزة للأسلحة النووية، وتقديم ضمانات أمنية مماثلة لأوكرانيا في حالة العدوان أو التهديد بالاعتداء على أوكرانيا باستخدام الأسلحة النووية “. على الرغم من أن هذه التأكيدات قد لا تشكّل ضمانات صارمة، إلاّ أنها تحمل بعض الوزن في عالم الدبلوماسية (24). تحليل الموقف الإيراني اتّصف الموقف السياسي الإيراني من العقوبات الغربية على روسيا ، في بعض أجزائه، بالغموض، نظراً إلى سبب محوري مفاده عدم إعلان إيران صراحةً وقوفها مع روسيا، في حين تمّ شجب تحرّكات الناتو لزعزعة أمن روسيا وتقويض تقدّمها ورفضها. وحسب الباحث ساعود جمال ساعود ، تجمع إيران علاقات طيّبة مع كلّ من أوكرانيا وروسيا في الوقت ذاته، وهي تتراوح بين السياسة والاقتصاد والثقافة، ولكنها تميل بشكلٍ خاص إلى الجانب الروسي، إذ قال الرئيس إبراهيم رئيسي إنّ التحالف مع روسيا والصين “هو الطريق لكسر الأحاديّة القطبية”، وذلك إثر زيارة قام بها أخيراً إلى روسيا. ولو قارنّا بين مجالات العلاقات وتاريخها وعمقها، لمالت الكفّة لمصلحة روسيا، إذ إنَّ الكثير من المراقبين الدوليين يتحدثون اليوم عن الحلف الرباعي (الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران) كقطب مناهض للقطب الأميركي، ولكنّ كلّ هذا لم يجعل إيران تصرّح علناً بالانحياز الكامل إلى روسيا في عملياتها العسكرية في أوكرانيا؛ بل اتخذت موقفاً وسطياً انطوى على إدراك القواعد اللعبة السياسية التي تديرها أميركا داخل المنظمات الدولية وخارجها(25). ويضيف ساعود : بناءً على التصريحات الدبلوماسيّة السابقة الصادرة عن مختلف المستويات السياسية في إيران، يمكن تحديد مقوّمات الموقف الإيراني من الأحداث الحالية بين الروس والأوكرانيين بثلاثة مقوّمات أساسية : 1. عدم الوقوف مع أحد أو ضدّ علانية، سواء سياسياً أو عسكرياً أو إعلامياً… 2. رفض الحرب والعقوبات الاقتصاديّة كمبدأ عام. وفي ما يخصّ الحالة الروسية، رفض تحركات الناتو على الدول المتاخمة لروسيا، الأمر الذي تفسّره روسيا بأنّه تهديد لأمنها القومي بحكم العداوة التاريخية بين روسيا، وريثة الاتحاد السوفياتي (حلف وارسو)، وحلف شمال الأطلسي (الناتو). 3. الدبلوماسية هي الحلّ في ما يخصّ آليات فضّ النزاع بينهما، لأنّها تُجنّب الكثير من المغبّات التي تتسبّب بها الحرب، منها مثلاً المغبّات الاقتصادية، إذ قال رئيس مجلس الأمن القومي علي شمخاني: “انهيار الأسواق المالية والارتفاع الكبير في أسعارالطاقة بسبب الأزمة في أقصى شرق أوروبا أظهر أنّ عدم الاستقرار وانعدام الأمن بجميع أشكاله في نصف الكرة الشرقي تسبَّب بضرر جسيم”، في إشارةٍ إلى ما سيترتّب على العملية العسكرية في أوكرانيا. 4. احترام القانون الدولي ودعوة الأمم المتحدة إلى تجنّب المعايير المزدوجة في التعامل مع القضايا المتعلّقة بالسلم والأمن الدوليين. 5. احترام القانون الدولي بخصوص حقوق الإنسان، والتقيّد بما ورد من قوانين في أوقات الحروب وكيفية التعامل مع المدنيين وأسرى الحرب وضحاياها. ومن الطبيعي تأييد روسيا فتح ممرّات لخروج المدنيين من الأراضي الأوكرانية (26). إذاً، واستناداً إلى ما سبق، اتخذت كلٌ من الصين وإيران موقفاً سياسياً متوازناً ، أيّدت فيه المطالب الروسية ضمناً، بضرورة ابتعاد أوكرانيا عن الدخول في أيّ حلفٍ معادٍ لروسيا، وعن التبعية للسياسات الأميركية في أوروبا تحديدًا، مع رفضهما للحرب كوسيلة لحلّ الخلافات أو النزاعات الدولية وتأييدهما لوحدة الأراضي الأوكرانية وسيادة الدولة فيها. وهذان الموقفان الصيني والإيراني لا شك أنهما يُسهمان في تقوية الموقف الروسي، سياسياً وعملياً، في مواجهة الحصار السياسي والدبلوماسي والاقتصادي الشديد الذي تمّ فرضه على روسيا أخيراً؛ وربما يُسهمان كذلك في فرض توازنات أو معادلات جديدة في العالم في حال تصاعد الصراع الأوكراني – الأوروبي – الروسي ، وانخراط المزيد من الدول والقوى فيه، حيث برزت مؤشّرات جديّة في إطار تفعيل وتوسيع المبادلات المالية والتجارية والاقتصادية، والناشطة أساساً بين روسيا والصين وإيران والهند وغيرها من الدول، والتي ترتكز إلى إرادة صلبة في تحدّي وإسقاط الهيمنة الأميركية، بكلّ أبعادها، على اقتصادات وثروات ومقدّرات الدول والشعوب غير الخاضعة للإرادة الأميركية، والمتجسدة راهناً في مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، التي تشقّ طريقها نحو التنفيذ بثبات، برغم المحاولات الأميركية والغربية الحثيثة لإفشالها.

الهوامش

(1) هل تضع الصين حدوداً لصداقتها مع روسيا أم تُنقذ شريكها الاستراتيجي؟ الجزيرة نت – خاص، 9/3/2022. (2) المرجع نفسه. (3) المرجع نفسه. (4) الصين تتحفّظ عن إمداد روسيا بطوق نجاة لاقتصادها، الشرق الأوسط أونلاين، 04 مارس 2022. (5) المرجع نفسه. (6) المرجع نفسه. (7) الصين: علاقتنا مع روسيا كالصخر.. نرفض “عقلية الحرب الباردة”، موقع سكاي نيوز عربية، 7 مارس 2022. (8) المرجع نفسه. (9) الغطرسة وراء الصراع الروسي – الأوكراني: أوروبا، توقّفي عن جرّ العالم نحو كارثة، هو تشون تشون، جامعة شنغهاي للدراسات الدولية ، 27/3/2022. (10) المرجع نفسه. (11) الصين «تعيد تموضعها» في النظام العالمي الجديد، وسام الشنهاب، صحيفة الرؤية، 25 مارس 2022. (12) المرجع نفسه. (13) حذف الدولار من التعاملات التجارية بين إيران وروسيا، موقع RTروسيا اليوم، 30/1/2022. (14)المرجع نفسه. (15) إيران: لتستفيد روسيا من تجربتنا في الالتفاف على العقوبات، مسعود الزاهد، موقع العربية، 20مارس 2022. (16) المرجع نفسه. (17)المرجع نفسه. (18) طهران تنتظر تفاصيل طلب روسيا ضمانات أميركية مرتبطة بمباحثات النووي، موقع قناة فرانس 24، 7/3/2022. (19) المرجع نفسه. (20) روسيا وإيران.. نحو علاقة استراتيجية لمواجهة نهج الأحاديّة الأميركية، موقع الميادين نت، 20كانون الثاني 2022. (21) خامنئي يكشف موقف إيران تجاه “الحرب” في أوكرانيا ويحمّل أمريكا المسؤولية، الشرق الأوسط، 01 مارس / آذار 2022. (22) الصين والحرب الروسية – الأوكرانية.. سياسة ”الحبل المشدود“ وحسابات المكسب والخسارة، كاواشيما شين، موقع اليابان بالعربي، 29/04/2022. (23) المرجع السابق. (24) م. س. (25) ما العوامل الحاكمة للموقف الإيراني من العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا؟ ساعود جمال ساعود، موقع الميادين نت، 26آذار2022. (26) المرجع السابق. * نُشر هذا البحث في مجلة شؤون الأوسط / العدد167/ نسخة إلكترونية / حزيران – يونيو 2022.

شجون عربية

شجون عربية