السياسة الخارجية الإيرانية

السياسة الخارجية الإيرانية
Spread the love

مراجعة: حسن صعب (باحث لبناني) •

تأليف : د. عباس خامه يار. • نشر: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي. • الطبعة الأولى : بيروت،2022.

يتوقف القارئ ملياً أمام هذا الكتاب ، والذي يتناول فيه مؤلّفه موضوعاً حسّاساً يتعلق بالسياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية ، منذ قيامها عام 1979 وحتى بداية التسعينات من القرن الماضي . وهي سياسة ترتبط مباشرة بثوابت الثورة ومبادئها وقِيمها التي أطاحت بالعرش البهلوي، حيث وضعت الأساس والمبادئ والركائز المستقبلية للنظام والدولة والمؤسسات. هكذا يقدّم وزيرالخارجية اللبنانية الأسبق ، الدكتور عدنان منصور، لكتاب الدكتورعباس خامه يار ، لافتاً إلى أن إيران تقع في منطقة جيوسياسية استراتيجية حسَّاسة في الشرق الأوسط ، ما يحتّم عليها أن تتفاعل معها، وهذا ما لا يُرضي القوى الكبرى التي هيمنت على دول المنطقة لقرون ، وتريد أن تُبقيَ إيران في دائرة نفوذها، مجرّدة من أي قوّة أو تأثير. أما المؤلّف، فيؤكد في مقدّمة كتابه أن الثورة الإسلامية الإيرانية كانت انقلاباً شاملاً على مستوى الأصول الفكرية وعقيدة النظام وقِيمه ومفاهيمه. لذا كان من الطبيعي أن نشهد تحوّلاً في سياسات النظام الإسلامي الجديد بشكل يختلف جذرياً عن سياسات النظام القديم. في الباب الأوّل (المنطلقات النظرية للسياسة الخارجية الإيرانية) ، وفيه فصول وأقسام، يعدّد المؤلّف ويشرح مفاهيم السياسة الخارجية الإيرانية والمؤثّرات الرئيسة فيها (المادية وغير المادية) ، مثل الموقع الجيوبولوتيكي والاستراتيجي، والمؤثّر الإنساني، والعامل الاقتصادي، والعامل الثقافي (الحضاري) ، والعامل الإيديولوجي والقِيم الأخلاقية والوطنية. كما يتناول مرتكزات النظام السياسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية وخصائصه ، بدءاً من المرجعية الدينية (الشيعية) ووظائفها وصلاحياتها ومراحل تطوّرها، وأبرزها مرحلة النيابة الخاصة (الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر-المهدي) ومرحلة النيابة العامة (الغيبة الكبرى) ، وصولاً إلى ولاية الفقيه والبنية السياسية للحكم الحالي في إيران. ويتوقف خامه يار عند المبادئ والأهداف الأساس للسياسة الخارجية الإيرانية وفقاً للدستور، وجوهرها الدفاع عن المصلحة الوطنية والقومية مع الالتزام بالشريعة الإسلامية، ودعم النضال المشروع لمستضعفي العالم، مع التمسك بمبدأ اللاشرقية واللاغربية. وهو يُفرد قسماً خاصاً حول كيفية صنع القرار في السياسة الخارجية الإيرانية، من خلال تشريح بُنية الهيكلية القيادية والسلطة التنفيذية والعلاقة الدقيقة فيما بينهما. وبالعودة إلى المؤثّرات في السياسة الخارجية الإيرانية ، فهي تشمل المؤثّرات المادية (الموارد الجغرافية والمصادر المادية والطبيعية والثروة البشرية)، والمؤثّرات غير المادية (المعنوية) ، والتي تتمثّل في القيادة السياسية والإرادة الجماعية وقدرة الجماهير على رفع راية التحدي في وجه الخطر الخارجي. حول المؤثّرات المادية، يتحدث المؤلّف عن الموقع الجيوبولوتيكي والاستراتيجي لإيران، والذي يشمل الموقع (الحدود مع الدول المجاورة) والمساحة والتضاريس ، والمؤثّر الإنساني ، أي السكّان والشعب، وفيه عدة أبعاد ؛ العدد ، والعِرق، والتوزّع ، والعمر، والانتماء الديني. فيما تتضمّن المؤثّرات غير المادية: الحضارة والعامل الثقافي(الديني) ، والعامل الإيديولوجي (العقدي) ، والقِيم الأخلاقية والتوجّه الوطني. وعن مرتكزات النظام السياسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية وخصائصه ، يتوقف المؤلّف عند المرجعية الدينية وسلطة الفقهاء ، ومراحل تطوّر المرجعية الدينية الشيعية، وعمادها ولاية الفقيه. ومن خصائص هذه المرجعية، معارضتها التاريخية للأنظمة الحاكمة، ومسألة التقليد والفتوى، والصفة التنظيمية، وانتظار ظهور الإمام الثاني عشر، المهدي المنتظر. لكن بالنسبة إلى إقامة الحكومة وطريقة إدارة شؤون الأمّة في عصر الغيبة الكبرى ، يوجد اختلاف في وجهات النظر بين فقهاء الشيعة، وإن كان ثمّة اتفاق على حدٍّ من الولاية للفقهاء ، سيما في الشؤون الحسبية أو شؤون القضاء. ويركّز المؤلّف على وجهة نظر الإمام الخميني المؤيّدة لإقامة الدولة الإسلامية، والمبنيّة على ولاية الفقيه حسب استنباطاته الفقهية. وتشكّل نظريته البنية الأساس والمؤسساتية للحكم. إن ولاية الفقيه، حسب الفكر الشيعي الإمامي ، هي القيادة الاجتماعية لحياة المسلمين وتحكيم الشريعة وإقامة العدل والقسط فيما بينهم. وتتخذ ولاية الفقيه موقعاً وسطاً بين التنصيب (بالنص، كما حصل في عهد النبيّ) والانتخاب (بالوصف، إذ يطرح الشارع مواصفات معيّنة لوليّ الأمر). ومن هذا المنطلق طرح دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية تلك المواصفات وعدّدها حسب مادته الخامسة بالتراتبية الآتية : – الفقاهة. – العدالة. – التقوى. – البصيرة بأمور العصر. – الشجاعة. – القدرة على الإدارة والتدبير. وتأتي المادة 109من الفصل الثامن، والمختص بالقائد أو مجلس القيادة، لتؤكد أيضاً على صفات ضرورية يلزم توفّرها في القائد، ومنها الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه؛ العدالة والتقوى اللازمتان لقيادة الأمّة الإسلامية، وهي مَلَكة راسخة باعثة على ملازمة التقوى من ترك المحرّمات وفعل الواجبات؛ إلى الرؤية السياسية الصحيحة والكفاءة الاجتماعية والإدارية وغيرها. بالانتقال إلى السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية ، التي يقودها الوليّ الفقيه ، يحدّد المؤلّف أهدافها بحماية أراضي الدولة ومصالحها الوطنية وسيادتها واستقلال قرارها السياسي. وتُقسم أهداف السياسة الخارجية الإيرانية إلى قسمين أساسيين: -أوّلاً : الأهداف والأصول التي تؤكد على حفظ المصالح الوطنية والقومية وصيانتها. -ثانياً : الأهداف التي تصبّ في القِيم الإسلامية وصيانة إيديولوجيتها. فالمادة 152 من الدستور تؤكد أن السياسة الخارجية لإيران تقوم على أساس إلغاء كل نوع من الهيمنة، وحفظ الاستقلال الكامل للبلاد، والمحافظة على وحدة الأراضي، وعدم الانحياز للقوى المتسلطة، وتبادل العلاقات السلمية مع الدول غير المحاربة. كذلك، على الدولة الإسلامية ، حسب الدستور، أن تعمل على تحقيق الأهداف الإلهية، سياسياً واقتصادياً وثقافياً وعسكرياً ، بما أنها دولة دينية رسالية وعقدية وقائمة على نظرة كونية خاصة. والهدف النهائي للحكومة الإسلامية هو هداية الإنسان للسير نحو النظام الإلهي؛ وبعبارة أخرى ، الهدف هو تحقيق سعادة هذا الإنسان في ظل نظام إلهي مبني على أسس وقِيم أخلاقية؛ وهذا عنصر جديد على الساحة الدولية والعلاقات فيما بينها. أما المبادئ الأساس في الرؤية الإيرانية للسياسة الخارجية، ودائماً وفق الدستور، فهي: -دعم النضال المشروع لمستضعفي العالم ، ضد هيمنة وتسلّط القوى العظمى والمستكبرة، في كل المجالات المتاحة ووفق الإمكانيات والأولويات. -الالتزام بمبدأ اللاشرقية واللاغربية، في السياستين الخارجية والداخلية للبلاد، لجهة عدم الاقتباس من أساليب الحياة الشرقية والغربية. وفي الحقيقة، إن هذا المبدأ هو مبدأ فلسفي أكثر ممّا هو مبدأ سياسي؛ فهو يعني تغيير النظرة إلى العالم؛ ومن مستلزمات ذلك إجراء سياسة خاصة. ومن هذا المنظور، لا تختلف الاشتراكية عن الرأسمالية في جلب الثمار المدمّرة لسعادة الإنسان، إذ تُبعده عن عالم الروح والغيب، وتجعله كائناً أرضياً يحدّد مصيره بقصوره ووهمه في ظلمات البعد عن الوحي والملكوت. حول هيكلية صنع القرار في السياسة الخارجية الإيرانية ، يقول المؤلّف إن الدستور الإيراني حدّد صلاحيات كل الجهات المسؤولة عن صنع القرار، وكذلك شبكة العلاقات بينها وبين سائر أجزاء النظام السياسي للدولة. وفهم آليات صنع السياسة الخارجية يتوقف على فهم سائر المؤسسات المشاركة، وهي: -القائد. -مجلس صيانة الدستور. -مجلس الخبراء. -مجلس تشخيص مصلحة النظام. -السلطة التنفيذية. -القوى غير الرسمية. وبحسب الدستور أيضاً ، للوليّ صلاحيات واسعة في الإشراف على رسم السياسة الخارجية للدولة. لكن ثمّة ضمانات تحول دون استبداد القائد برأيه، لوجود مراكز أخرى لها دورها في القرار السياسي الخارجي، بدءاً من : القِيم الدينية التي تحكم عمل مجلس صيانة الدستور، إلى آراء الشعب التي يُعبّر عنها مجلسا الشورى والخبراء ، وانتهاءً بالآراء غير المؤسساتية، مثل جماعات الضغط والأحزاب واللجان، فضلاً عن الهيئات الاستشارية التي تواكب عمل القيادة، ومجلس الأمن القومي. وهناك دور مهم لرئيس الجمهورية وسلطته التنفيذية (مجلس الوزراء ووزارة الخارجية) في صنع السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية ، إضافة إلى جهاز الدبلوماسية الإيرانية، وهو المنفّذ المباشر للقرارات المتخذة. في الباب الثاني (مراحل تطوّر السياسة الخارجية الإيرانية)، وفيه فصول وأقسام ، يعرض المؤلّف لمراحل تطوّر السياسة الخارجية الإيرانية ، بدءاً من مرحلة انتصار الثورة الإسلامية في العام 1979، وحتى تاريخ اندلاع الحرب مع النظام العراقي في العام التالي ومرحلة حرب السنوات الثمانية (1980-1988). من خصائص المرحلة الأولى، أي منذ انتصار الثورة وحتى بداية الحرب الإيرانية – العراقية (1979 – 1980) ، أنها تزامنت مع مرحلة الهدم والبناء مجدّداً، بعد استيلاء الثوريين على الحكم، ومن دون أن تكون لديهم تجارب أو خبرات سابقة، في ظل استمرار الصراع بينهم وبين فلول النظام السابق؛ ناهيك عن صعوبة المرحلة الانتقالية من نظام ملكي متجذّر إلى نظام جمهوري إسلامي حديث. وكل ذلك ترك آثاراً كبيرة على مسارات السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الفتيّة وعلاقاتها بالدول المجاورة والأجنبية، وبالخصوص بعد تفاقم النزاعات الإقليمية ودخول الدول العظمى على الخط فيما بعد. ويتوقف المؤلّف عند ما سمّاه ضبابية الرؤية خلال المرحلة الانتقالية (منذ الأول من شباط/فبراير 1979) ، والتي شهدت وضع الدستور والتصويت عليه من خلال استفتاء شعبي وإجراء انتخابات نيابية وتأسيس مؤسسات دستورية. وكان الوليّ القائد ومجلس قيادة الثورة يرسمان السياسة الخارجية للنظام في هذه المرحلة. وقد شهدت المرحلة الانتقالية قطعاً شاملاً ونهائياً للعلاقات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية (مع احتجاز الديبلوماسيين الأميركيين الطويل داخل السفارة الأميركية في طهران) بموازاة دعم الحكومة الإسلامية الجديدة والتيارات الراديكالية حركات التحرير الإسلامية والوطنية في العالم، كمنظمة التحرير الفلسطينية والحركات الإسلامية في أفغانستان ولبنان. وفيما يخص العلاقات الإيرانية مع الاتحاد السوفياتي، فقد تغيّرت لهجة وسائل الإعلام والسياسيين السوفيات قبل عدة أشهر فقط من انتصار الثورة، بعدما اتسمت قبلها بالمتابعة الحذرة للأحداث مع عدم توقع سقوط نظام الشاه، كما كانت حال الغربيين في تلك المرحلة. لكن بعد سقوط حكومة مهدي بازركان الليبرالية في إيران ، ومع اشتداد أزمة الرهائن الأميركيين في طهران، تحسّنت العلاقات مع موسكو بشكل ملحوظ، حيث عدّت الأخيرة ذلك موقفاً مشتركاً ضد الإمبريالية والهيمنة الأميركية في المنطقة. أما السياسة الخارجية الإيرانية في خضم الحرب المفروضة، أو حرب السنوات الثماني (1980-1988) ، فقد تبلورت على أساس مواقف الدول من الحرب إياها. فقد اعتبرت الرؤية الإيرانية أن من كان يقف إلى جانب الثورة في هذه الحرب يحمل في نظامه السياسي نقاطاً إيجابية تحترمها الثورة ؛ فيما تحمل الأنظمة التي تقف إلى جانب المعتدي (نظام صدّام حسين)، في نظامها السياسي انحرافاً استراتيجياً لا يمكن إسقاطه من الحساب في علاقات الثورة معها. وفي السياق ، فقد استغلّ النظام العراقي ظروف عدم الاستقرار السياسي في إيران بسبب الفترة الانتقالية وتدهور العلاقات الدبلوماسية بين إيران والدول الغربية ، وفي مقدّمتها الولايات المتحدة الأميركية، على خلفية قضية الرهائن (داخل السفارة الأميركية في طهران – 1979) ، مضافاً إلى بريطانيا وفرنسا، وفتورها مع الاتحاد السوفياتي السابق بسبب غزوه لأفغانستان، وحوادث التمرّد المسلّح في بعض الأقاليم الحدودية الإيرانية، حيث قرّرت الحكومة العراقية استباق الأحداث وأعلنت الحرب على إيران في 22 أيلول/سبتمبر عام 1980، بعد سلسلة تحرّشات ومناوشات عسكرية في المناطق الحدودية. بعد انتهاء الحرب المفروضة، بدأت إيران مرحلة تطبيع السلوك الخارجي للدولة مع الدول الأخرى (normalisation). فهي كانت بحاجة إلى مزيد من العقلنة والحكمة للخروج من أزماتها المتلاحقة وحلّها للتعقيدات الناتجة عن الحرب والحصار. وهذا ما ترجمته الدولة الإسلامية في خطابها السياسي الجديد واعتمادها دبلوماسية مرنة في التعامل مع دول الجوار وغيرها. في الوقت عينه، حقّقت الدبلوماسية الإيرانية إنجازات مهمة على صعيد تفعيل علاقات إيران الاستراتيجية مع سوريا وليبيا في تلك المرحلة ، وبما أفاد الدول الثلاث مجتمعة، في مواجهة المؤامرات الغربية والتهديدات الإسرائيلية ؛ وتمثّل النجاح الإيراني المزدوج في اعتماد الديبلوماسية الإيرانية لموقف الحياد الإيجابي من غزو النظام العراقي للكويت(2/8/1990) ومن “عاصفة الصحراء” الأميركية، والتي أدّت إلى تدمير الجيش العراقي وإخراجه بالقوّة من الكويت لاحقاً. في الباب الثالث من الكتاب (تحرّك السياسة الخارجية في الميدان الإقليمي)، يختار المؤلّف النموذج الخليجي من أجل تحليل الدور الإقليمي لإيران كونه المجال الحيوي لسياستها الخارجية. وبعد شرحه لأهمية الخليج الاستراتيجية بالنسبة لإيران والدول الخليجية والقوى الغربية الطامعة في ثروات المنطقة الهائلة من النفط والغاز ، يشير المؤلّف إلى أن قيام الثورة الإسلامية أدّى إلى إحداث انقلاب خطير في معظم المفاهيم والصيغ التي كانت مطروحة لتحقيق أمن الخليج الفارسي. ومن ثمّ جاءت أحداث الغزو العراقي للكويت (2 آب/أغسطس 1990) لتُحدث تحوّلاً في رؤية مصادر التهديد لدى العديد من الدول العربية، حيث صار العراق المصدر الرئيسي لتهديد أمن ومصالح تلك الدول والأنظمة وليس إيران. من هنا بدأت الديبلوماسية الإيرانية ببلورة أهداف الدولة الخارجية في ظروف أفضل، مؤكدة حرص إيران على الانتقال إلى تحقيق الأمن الجماعي، من خلال اقتراح عقد اتفاقية دفاع إقليمي مشترك مع الدول العربية بعد تكريس التعاون الإقليمي فيما بينها ، بموازاة الدعوة إلى رفض الوجود الأجنبي في الخليج الفارسي، سواء كان عربياً أو أجنبياً، لأنه يستهدف أمن كل دول المنطقة ومصالحها في النهاية. حول العلاقات الخارجية الإيرانية – العربية ، تحدّث المؤلّف عن محاولات إيرانية للتطبيع مع الدول العربية منذ ما بعد انتصار الثورة، حيث اتخذت إيران موقع الصدارة في تبنّي القضايا العربية (وفي طليعتها قضية فلسطين)، ومعايشتها لهمومهم، وذلك من خلال قطع علاقات إيران مع عدوّة العرب إسرائيل، ووقف تدفق النفط الإيراني إليها ، وخروج إيران من التحالفات الغربية، إلى الدعوة لأسلمة الخليج الفارسي ، بالتوازي مع التخفيف من اللون القومي الفارسي وتغليب الطابع الديني الإسلامي داخل البلاد. وبعدما عرض للنقاط المشتركة الكثيرة بين إيران والعرب، وإصرار الدولة الإيرانية على فتح آفاق جديدة ومتينة للعلاقات الإيرانية – العربية ، وإبعاد التأثيرات الخارجية عن المنطقة، توقف المؤلّف عند رؤية إيران للقضية الفلسطينية والخطر الصهيوني على كل دول وشعوب المنطقة، مع تأكيده على البعد الديني لهذه القضية ، والذي يتطلب حلاً دينياً أيضاً ؛ فقد التزم الإيرانيون منذ البداية بمعارضتهم لأي سلام مع إسرائيل قبل إعادة كامل الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني وأرضه التاريخية. وفي السياق ، تحدث الباحث عن صعوبات جمّة واجهها عند دراسته للسياسة الخارجية الإيرانية، وفي طليعتها اختيار الطابع الديني والإيديولوجي في إطار بحثه، بسبب التناقض الذي لمسه عند المقارنة بين أساليب السياسة الخارجية وأهدافها المعتادة وبين ما طرحته السياسة الخارجية الإيرانية من أسس دينية ربما عُدّت متخالفة مع أهدافها الوطنية ، وذلك لاتباعها قواعد وآليات خاصة ناتجة من متغيرات معقّدة ومتداخلة للغاية. وفي هذا الإطار، يتكلم المؤلّف عن ثلاث نظريات مختلفة ومتصارعة يؤمّل تطبيقها في السياسة الخارجية الإيرانية وعلاقاتها الدولية خلال المراحل المختلفة للثورة ، لتجيب عن أسئلة لم يُجب عنها حتى الآن، وهي قابلة للتأمّل، ومنها : ما هي حدود الوطن الأم؟ هل من الضروري احترام الاعتبارات الحدودية الجغرافية بين الدول الإسلامية؟ ما هي واجباتنا تجاه المسلمين والمواطنين والمؤمنين؟ ما هي حدود مساعداتنا للآخرين؟ وما هي الأولويات في هذه المساعدة؟ هل هي إسلامهم أو استضعافهم؟ هل الأولوية بناء النموذج الإسلامي والوطني، أم التوجه نحو الخارج ونحو العالمية؟ ما هي حدود المصالح الوطنية ودعم الخارج والتركيز على المصلحة الإسلامية العليا؟ وحسب الباحث، تُختصرالنظرية الأولى (نظرية بناء الدولة النموذج model-state)، من خلال بناء دولة نموذجية وإيصالها إلى مرحلة الكمال، من وجهة نظر إيديولوجية الثورة ؛ بحيث تؤدّي إلى جذب شعوب وقوى محيطة تشترك في خصائص معيّنة مع شعب الدولة التي قامت فيها الثورة وتنسجم معها. ويرى أصحاب هذه الرؤية أنه من الضروري تحسين الأوضاع الداخلية للبلاد وعدم التعرّض للنظام الدولي، والمصالحة مع الجهات الدولية، للحؤول دون الوقوع في مصيدة الأعداء في الأوضاع الراهنة ، إلى أن تُتاح الفرص اللازمة لمصارعة القوى الكبرى. ويمكن تفسير هذا الاتجاه في إطار نظرية ما يسمّى “أم القرى”، والتي تمثّلت في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد انتصار الثورة ، وأصبح الإمام الخميني حينها يحمل المسؤوليتين : القيادة الدستورية للجمهورية ، والولاية على العالم الإسلامي . ومن الواجب على كلّ الأمّة أن تدافع عن أم القرى وتدعمها، حسب الدكتور محمد جواد لاريجاني، المتبنّي لنظرية أم القرى والمنظّر لها. في المقابل، هناك نظرية الهجوم الوقائي، التي تعتبر أن أفضل وسائل الدفاع هي الهجوم؛ فعندئذٍ يُعدّ الدور الخارجي الفعّال في شؤون دول أخرى إجراءاً وقائياً، يخدم كمقدّمة لاحتواء كل هجوم على الثورة من القوى الإقليمية والدولية المعادية للثورة. من هنا ترى الجمهورية الإسلامية نفسها مسؤولة عن التصدّي لهيمنة القوى الكبرى ومكافحة الظلم والاستغلال والتمييز على نطاق العالم المستضعف. والرأي المتشدّد في هذا الاتجاه يرى أن الجمهورية الإسلامية يجب أن تعبّء كل ما لديها من إمكانيات لتعميم ثورتها، وإن أدّى ذلك إلى سقوط النظام الإسلامي في إيران بقوّة الأعداء العسكرية ؛ لأنها تعتبر هذا سقوطاً مؤقتاً ، سيؤدّي إلى ظهور أنظمة إسلامية أخرى. أما النظرية القِيمية أو نظام القِيم، فهي التي تعتمد على الأصولية الدينية والسعي لإقامة مجتمع إسلامي موحّد وعالمي، قائم على أسس إيديولوجية بحتة؛ ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن نظريات الإمام الخميني وآراءه الدينية والسياسية ، وكذلك أقواله وسلوكه وتعليماته، كافية ووافية في بناء المجتمع – الدولة واتخاذ القرار وتطبيقه. ويرى أصحاب هذا الاتجاه ضرورة محاربة الاستكبار العالمي وإنقاذ العالم من الفتنة والحفاظ على إيران كقوّة مستقلة عن كلّ تطوّر خارجي، وتحرّكها طاقة الإسلام الثوري والتلاحم مع الحركات الشعبية، وجيش العشرين مليون، وأمّة حزب الله وجحافلها، بهدف إسقاط الأنظمة الحاكمة في الدول المجاورة والمستبدة الأخرى ، والدفاع عن المستضعفين. وأخيراً، هناك نظرية الجمع بين الواقع والآمال، أو بين المبادئ والأصول وبين الواقعية أو البراغماتية (pragmatism) كأفضل حل للحفاظ على إيديولوجيا الثورة وبناء الدولة النموذج في الوقت نفسه. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أنه ما من صعوبة حادّة في تطبيق مقولة تأمين المصالح الوطنية وأيضاً المصلحة الإسلامية العليا، مع المجاهرة بتقديم المصالح الوطنية على الاعتبارات الإيديولوجية. وختاماً ، فإن مضامين هذا الكتاب، الذي يمتلك مؤلّفه مؤهّلات ذاتية وخبرات عملية ذات صلة وثيقة بعنوان ومحاور الكتاب الفكرية والسياسية الرئيسية ، تمثّل إضافة نوعية للمخزون الثقافي والسياسي العربي والإيراني معاً، وإسهامة متقدمة في مسار التفاهم الإيراني – العربي، والذي لا بدّ أن يُثمر يوماً ما، على مختلف الصعد ، وبما يغيظ أعداء الأمّة الإسلامية الطامعين بثرواتها ومقدّراتها ، والساعين لتقسيمها وتفتيتها منذ عقود ولا يزالون.

mde

mde
شجون عربية

شجون عربية