السوريون ضحايا الفساد وقانون قيصر

السوريون ضحايا الفساد وقانون قيصر
Spread the love

خاص “شجون عربية” – بقلم: زينب ديب* |

منذ أسدلت الحرب بظلالها وسوريا تعيش في ظروف وأوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية صعبة, لكنها استطاعت الخروج من أزمة سياسية وضغط هائل كاد يهدد وجودها كدولة لتواجه فيما بعد أزمة اقتصادية، تعددت الآراء حول أسبابها. فالبعض يعزوها إلى أنها أحد مفرزات الحرب وهي نتيجة حتمية لها، وآخرون يرون أنه بعد اخفاق المساعي الرامية لإغراق سوريا بأزمة سياسية تهدد كيانها كشفت الأزمة الاقتصادية عن أنيابها علّها تحقق ما لم تستطع الحرب تحقيقه. بينما يقول البعض إن سوريا لا تزال قوية ومتماسكة ولكن الفساد وانعدام الرؤية الاقتصادية الناجعة، عواملٌ أوصلت هذا البلد إلى هذه النتيجة، لكن يجب ألّا نغفل أن ما يشهده العالم من توترات وحروب ونزاعات كالحرب الروسية الأوكرانية وغيرها، سببٌ رئيسي للأزمات الاقتصادية في العالم التي لا تقتصر على سوريا فحسب بل تشمل العالم أجمع. إضافة إلى وباء ورونا وما سببه من إغلاقات أثّرت على الأوضاع الاقتصادية سلباً إذ تضافرت العوامل السابقة جميعها لتصل الأمور إلى ما آلت إليه.

بدايات الازمة الاقتصادية 

تعيش سوريا مؤخراً في ظل أوضاع اقتصادية خانقة، بدأت ارهاصات هذا الوضع عام 2020، مع وصول فيروس كورونا إلى البلاد، وما تبع ذلك من اجراءات حظر وإغلاق للمحال التجارية، والتي أثّرت سلباً على الأسواق السورية، ليس ذلك فحسب بل شهدت تلك الأونة خلافات بين الدولة السورية وأحد أبرز وأثرى رجالات أعمالها، وهو رجل الأعمال السوري رامي مخلوف.

هنا كانت البداية، بداية ارتفاع أسعار التي لم تتوقف حتى الآن بل ازداد سعيرها مع حرائق التهمت معظم الأراضي الزراعية في الساحل السوري، وما زاد الوضع سوءاً الأزمة الاقتصادية في لبنان التي يزعم المسؤولون السوريون أنها أثرت على أموال المستثمرين ورجال الأعمال المودعين أموالهم في لبنان حيث قدرت إيداعات السوريين في المصارف اللبنانية بنحو 50 مليار دولار حالياً، بنسبة تزيد على 25.4% من إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية البالغة نحو 177 مليار دولار، وذلك بحسب دراسة أعدها خبير مصرفي سوري. 

تضخم اقتصادي ورواتب عاجزة

تشهد سوريا انخفاضاً كبيراً في قيمة عملتها أمام الدولار حيث أصبح الدولار الواحد يُعادل 5000 آلاف ليرة سوريا، وازدياداً هائلاً في الأسعار، حيث قُدّر وسطي راتب الموظف قبل بدء الحرب في سوريا نحو مليون ليرة الآن، قياساً إلى معدلات التضخم، حيث كان نحو 20 ألف ليرة، أي أكثر من 400 دولار في ذلك الوقت، في حين يتراوح اليوم بين 48 ألفاً و80 ألف ليرة.

أمّا الأسعار فقد تضاعفت منذ بداية الحرب من 40 إلى 50 ضعفاً، في حين تمت زيادة الرواتب ضعفين فقط، مما دفع المواطن السوري للعمل بأكثر من مهنة حتى يتمكن من تأمين الحدّ الأدنى من المتطلبات المعيشية الأساسية لاستمرار حياته.

أما الطبابة واللباس فباتتا حلماً للمواطن السوري حيث تضاعفت أسعار الملابس الشتوية 40% عن العام السابق. لكن وجود مواطنين تحت خط الفقر لا يعني أن الجميع فقراء في سوريا. فهذه الأزمة الاقتصادية زادت الفقير فقراً والغني غنىً، وذلك ليس خفياً حيث يستطيع من يتجول في الأسواق والمطاعم الفخمة أن يلحظ ازدحامها الشديد. فهناك محتكرون ومضاربون ومستثمرون وأرباب سوق سوداء استفادوا كثيراً من هذه الأزمة.

طفولة محرومة وجيل هزيل

لم يكن الطفل السوري محروماً إلى هذا الحد فوصول ربطة الخبز الواحدة إلى ما يفوق 1500 ليرة سورية، وغلاء أسعار الفواكه والخضار نتيجة تكاليف النقل الباهظة بسبب شح المحروقات وارتفاع ثمنها، كل ذلك أثّر على انخفاض مستوى المعيشة. ومن المعلوم أنّ تلك الأغذية مهمة وضرورية للنمو الجسدي والعقلي لأي طفل، هذا غير استقالات بالجملة لأساتذة المدارس نتيجة بعد المدارس عن أماكن سكنهم. فأصبح الراتب لا يكفي أجرة مواصلاتهم من وإلى المدرسة. ففي سوريا هناك قرارات تنص على أن يخدم الأستاذ المدرسي عدة سنوات في محافظة غير محافظته، بعد كل تلك المعطيات الخطرة أي جيل سينشأ في هذه الظروف وأي مستقبل سنشهد؟

هل من انفراج؟

الحل ليس بالبسيط أو السهل بل هو مركّب ومعقد كالأزمة الاقتصادية التي تشهدها سوريا ويبدأ بالحدّ من الفساد، وأن تكون الدولة إلى جانب المواطن فتعمل على تحسين وضعه المعيشي بدلاً من فرض ضرائب جديدة تثقل كاهله، وتحميه بفرض رقابة صارمة على الجشعين من التجار، وأن تكون هي المسؤولة أولاً وأخيراً عن الأسواق.

كما يجب أن تقدم الدولة الدعم للزراعة والفلاحين  حيث أن سوريا بلد زراعي وتمتلك كل المقومات لتنهض من خلال استثمار أراضيها الزراعية.

والأهم من ذلك كله تخفيف القيود والضرائب الجمركية عن المواد المهمة، حيث أن استيراد البوتوكس والفيلر ليس أكثر أهمية من استيراد حليب الأطفال وأدوية مرضى السرطان المفقودة والملاحقة جمركياً ويخضع دخولها إلى سوريا لإجراءات صارمة.

أما بالنسبة للتكنولوجيا وأجهزة هواتف الموبايل فالضرائب الجمركية عليها تفوق سعرها أضعافاً مضاعفة، بل إن الجمارك تربح منها أكثر من الشركة المصنعة ذاتها، حيث أنّ تكلفة جمركة موبايل آيفون 14 pro max بلغت خمسة ملايين ونصف أي تقريباً ذات سعر الموبايل الحقيقي من متجر آبل.

والأمر ذاته بالنسبة للسيارات الحديثة، فالسيارات القديمة التي يُفرز معظمها للتنسيق في البلدان الأجنبية في سوريا تُباع بأسعار خيالية ويخضع عبورها لضرائب جمركية باهظة.

وإحدى العوامل الهامة لاستعادة الاقتصاد السوري عافيته هو المرونة في الاستيراد والتصدير، ولكن المرونة عن فهم ودراية وبمعناها الإيجابي وليس السلبي. فالمرونة في تصدير المواد الغذائية كالزيت والزيتون والتمر والتين وغيرها، والذي تدعمه القرارات الحكومية مؤخراً، أدى إلى نتائج عكسية وهي أن التاجر السوري بات يُفضل تصدير تلك البضائع للخارج بأضعاف الأسعار، وطرح المادة الأقل جودة وبسعر مرتفع في الأسواق السورية. وهذا ما انعكس سلباً على المواطن، حيث يواجه المواطن فقدان لأهم مستلزماته والتي نراها بكثرة في أسواق الخارج قد تم تصديرها.

*كاتبة سورية.

شجون عربية

شجون عربية